أولويات السياسات لتحوّل سوق العمل العالمي نحو اقتصاد القدرات
أحمد اليماني، جود الثقفي، ولينا غندورة
بُنيت أنظمة سوق العمل على افتراض أن معظم الأفراد يعملون في وظائف مستقرة لدى صاحب عمل محدد، إذ تشكّل هذه العلاقة أساسًا للتأمينات الاجتماعية، وضرائب الرواتب، وحماية العمال، وإحصاءات التوظيف.لكن طبيعة العمل اليوم أصبحت أكثر تجزؤًا، واعتمادًا على المنصات، وامتدادًا عبر الحدود، إلى جانب الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي. ومع تراجع قدرة الوظيفة التقليدية على تنظيم الحياة الاقتصادية، بدأت المؤسسات والأنظمة القائمة عليها تفقد ملاءمتها. فالجهات المسؤولة عن قياس العمل وحمايته وتطويره وفرض الضرائب عليه لا تزال تتغير بوتيرة أبطأ بكثير من التحولات المتسارعة في سوق العمل
على امتداد معظم التاريخ، كان العمل نشاطًا شخصيًا قائمًا على النتائج، ومنظمًا حول القدرات المثبتة. ثم جاءت الثورة الصناعية لتوحّد أنماطه حول المصانع والشركات وساعات العمل الثابتة. ولا يزال هذا النموذج هو السائد، إلا أن العمل يتجه نحو اقتصاد القدرات، حيث تصبح القدرات البشرية الموثقة أكثر أهمية من المنصب أو مدة الخدمة، بدعم من الذكاء الاصطناعي وتتبّع أنظمة البيانات لها.
لا يقتصر هذا الخلل على جانب واحد، بل يمتد إلى منظومة سوق العمل بأكملها. فالحماية الاجتماعية وضرائب الرواتب وإحصاءات سوق العمل تعتمد جميعها على وجود وظائف مستقرة وأصحاب عمل محددين، وعندما تضعف هذه العلاقة تتأثر بقية المنظومة. وقد أصبحت هذه الفجوة واضحة بالفعل، إذ تقدّر منظمة العمل الدولية أن أكثر من ملياري عامل، أي ما يزيد على 60% من القوى العاملة العالمية، يعملون في القطاع غير الرسمي. لذلك، لن يكون إصلاح كل برنامج على حدة كافيًا.أصبح رأس المال البشري اليوم عاملًا محوريًا في الثروة الوطنية.
وتقدّر حسابات الثروة الصادرة عن البنك الدولي أنه يمثل نحو ثلثي الثروة عالميًا، ونحو 70% في الاقتصادات مرتفعة الدخل. ومع ذلك، لا تحتفظ الدول التي تموّل التعليم بالضرورة بالعاملين الذين تدربهم، في حين تواجه الاقتصادات التي تشهد شيخوخة سكانية والاقتصادات ذات الفائض الشبابي ضغوطًا متعاكسة لكنها مترابطة على القوى العاملة. لذلك، تحتاج قدرات القوى العاملة إلى اهتمام استراتيجي يماثل الاهتمام بالطاقة والبنية التحتية.
يسرّع الذكاء الاصطناعي وتيرة هذا الانتقال. وبحلول عام 2030، يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي استحداث 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة. ورغم أن صافي الزيادة يبلغ 78 مليون وظيفة، فإن هذا التحول سيطال 22% من وظائف اليوم، وسيجعل 59% من العاملين بحاجة إلى التدريب. وحتى لو كان الأثر الصافي إيجابيًا على المدى الطويل، فعلى المؤسسات أن تستجيب قبل أن يتحمل العاملون وأنظمة التمويل تبعات هذا الاضطراب.
يمكن للذكاء الاصطناعي رفع الإنتاجية دون الحفاظ على قاعدة الرواتب التي تموّل أنظمة الحماية. تشير أبحاث أُجريت في خدمة العملاء ومهام العمل المعرفي إلى مكاسب كبيرة، مع اختلاف الأثر باختلاف العامل والمهمة. وللتوضيح، يمكن تصور حالة ينتج فيها عامل واحد مدعوم بالذكاء الاصطناعي ما كان ينتجه ثمانية عمال سابقًا؛ فقد يظل الإنتاج ثابتًا، بينما تتحول سبعة رواتب إلى أرباح، وتنخفض مساهمات الرواتب بنحو 88%. وهذا ليس توقعًا، بل مثال من الميزانية العمومية يوضح المخاطر المالية.[1] كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن حصة العمل من الدخل العالمي انخفضت من 52.9% عام 2019 إلى 52.3% عام 2022، وظلت مستقرة منذ ذلك الحين.
تواجه أنظمة القياس العامة صعوبة في رصد الطريقة التي يعمل بها الأفراد. تسجّل منصات العمل الرقمية الشواغر والمهارات والأجور وتنقلات العاملين بصورة شبه فورية، بينما لا تزال إحصاءات العمل العامة تعتمد بدرجة كبيرة على المسوح الدورية والتصنيفات المبنية حول وظيفة رئيسية واحدة. وقد يظهر الشخص الذي يجمع بين عدة ارتباطات قصيرة في الإحصاءات بوصفه موظفًا فحسب، مما يخفي التقلبات ونقص التشغيل وفجوات الحماية. وعندما لا تتمكن الحكومات من رؤية التحول بوضوح، تصبح كل استجابة للسياسات متأخرة وأقل استهدافًا.
[1] مثال توضيحي من إعداد المؤلفين. يفترض المثال ثبات الإنتاج وعدم تغير معدل مساهمة الرواتب. والغرض منه توضيح كيف يمكن لمكاسب الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي أن تقلص قاعدة الرواتب، وليس التنبؤ بنتيجة محددة للتوظيف.


تتطلب هذه التغيّرات استجابة منسّقة. وقد صُممت الأولويات الست أدناه لتعمل معًا في اقتصاد القدرات:
1. ترسيخ المهارات بوصفها الإشارات الاقتصادية الأساسية. بناء البنية التحتية التي تتيح انتقال القدرات بين أصحاب العمل وعبر الحدود، بما يشمل تصنيفًا موحدًا للمهارات، وطبقة رقمية للتحقق، وسجلات مهارات قابلة للنقل، وقواعد ترخيص مكيّفة، ومشاركة أصحاب العمل في تمويل التقييم. يبيّن برنامج «SkillsFuture» في سنغافورة كيف يمكن تطبيق ذلك على المستوى الوطني، فيما تظل قابلية التشغيل البيني عبر الحدود الفجوة الرئيسة.
2. اعتبار قدرات القوى العاملة بنية تحتية استراتيجية. رفع تخطيط سوق العمل إلى مستوى السياسات المالية والصناعية، من خلال حوكمة مشتركة بين الوزارات، وتمويل مستدام، وبرامج نشطة لسوق العمل تحسّن فرص التوظيف والدخل متى صُممت بكفاءة. ويوضح نظام «كورتس آربايت» للعمل لوقت قصير ونظام التدريب المهني المزدوج في ألمانيا هذا النهج.
3. حوكمة الذكاء الاصطناعي بما يعزز قدرات القوى العاملة. ينبغي أن تتعامل السياسات بشكل مباشر مع آثار الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، من خلال تقييم أثره في الوظائف، وفرض متطلبات الشفافية على أنظمة التوظيف والإدارة، وتمكين وزارات العمل من المتابعة الفورية، وتطبيق سياسات ضريبية تميّز بين استخدامه لتعزيز قدرات العاملين واستخدامه للاستعاضة عنهم. كما ينبغي أن تتعامل برامج التدريب مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة أساسية، كما يعكسه قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي ومبادرة «سماي» في المملكة العربية السعودية.
4. تطوير الأنظمة المالية بما يواكب اقتصاد القدرات. وذلك من خلال نقل القاعدة الضريبية تدريجيًا من الرواتب إلى القيمة المتولدة، والاستفادة من أدوات مطبقة أو مطروحة للنقاش، تشمل المساهمات الإلزامية للمنصات، وإطار الحد الأدنى العالمي للضريبة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين، وصناديق التحول المخصصة، والتنسيق الدولي. ولا يزال فرض رسم أوسع على القيمة المتولدة في مرحلة التصميم، بينما تقدّر ماكنزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يخلق قيمة اقتصادية سنوية تتراوح بين 2.6 و4.4 تريليون دولار.
5. تصميم أنظمة حماية قابلة للنقل والتكيف. ربط الحماية بالعامل بدلًا من الوظيفة، من خلال احتساب المساهمات بحسب الساعات أو المهام، وتراكم الحقوق بما يتيح انتقالها بين أصحاب العمل وعبر الحدود، وفرض حد أدنى للمساهمات على كل جهة تستعين بالعمل، وتتبع الاستحقاقات بصورة فورية، ووضع ضمانات تحافظ على الحقوق المتراكمة خلال مراحل الانتقال. قانون عمال المنصات في سنغافورة، وحساب التدريب الشخصي في فرنسا، وقانون الضمان الاجتماعي في الهند، ونظام حماية الأجور في المملكة العربية السعودية، يطبق كل منها جزءًا من هذا النهج، إلا أنه لا توجد دولة تجمع العناصر الخمسة جميعها حتى الآن.
6. بناء أنظمة استخبارات حوسبية لسوق العمل. ربط بيانات التوظيف والمهارات والحماية والتعليم والضرائب ضمن نظام يعمل بصورة فورية، وتحكمه ضوابط تحديد الغرض، والرقابة المستقلة، والشفافية الخوارزمية، وحق العامل في مراجعة بياناته. وتوضح منصة قوى في المملكة العربية السعودية هذا التوجه، إذ تستند إلى سجل يضم 11.6 مليون عقد عبر 1.6 مليون منشأة[1] لدعم أعمال الرقابة وصنع السياسات.
نجح النموذج التقليدي للعمل نظرًا لكون الوظيفة المستقرة الواحدة تربط بين الحماية والإيرادات والقياس، وكان كل عنصر يعزز الآخر. وتتمثل أولوية السياسات في إعادة بناء هذا الترابط حول العامل. وهذه الأولويات مترابطة؛ فالعامل الذي لم تُوثق مهاراته لن يستفيد كثيرًا من الحماية القابلة للنقل، كما أن النظام المالي الذي لا يستطيع قياس القيمة لن يتمكن من تمويل التحولات التي يحتاجها العاملون. ويحتاج اقتصاد القدرات إلى القدر نفسه من المواءمة بين تنظيم العمل وقياسه وحوكمته وحمايته وفرض الضرائب عليه، على أن يُعاد بناؤها حول الفرد بدلًا من صاحب العمل. وسيؤثر التأخر في الإصلاح بدرجات متفاوتة على العاملين الأصغر والأكبر سنًا، والعاملين في القطاع غير الرسمي، والنساء. وتتمثل المهمة الآن في ربط الإصلاحات التي لا تزال موزعة بين مؤسسات وأنظمة منفصلة.
[1] أرقام قدّمتها تكامل استنادًا إلى البيانات الإدارية لمنصة قوى.
